«نيرة» «سلمى»القاتل هو نفسه قاتل «كارمن»

 «نيرة» «سلمى»القاتل هو نفسه قاتل «كارمن»

منذ قتل خوزيه لكارمن، تلك البطلة لرواية الفرنسي “بروسبر مريميه”، الغجرية الحسناء ذات السحر الخاص، التي قابلت خوزيه الضابط في ظروف درامية خاصة، ليترك بعدها كل مجد وملذات الدنيا، باحثاًعن جميعها في عشيقته، كارمن، كانت تُحبه في مرحلةٍ ما، لكنَّها سَئمت انفعالاته المَرَضية التي وصلت إلى حد القتل، فخوزيه لم يكن بتلك البراءة التي بدا عليها في معالجة الأوبرا، التي اشتهرت بها قصة هذه الغجرية المتمردة، ففي الرواية الأصلية كان خوزيهرجلاً وسيماً، مظهره الخارجي جادٌ هادئ،ٌ لكنَّه يحمل داخلياًاضطراباً، يتَسم بانفعالات نفسية غاضِبة مُفاجِئة، والتي تصل إلى حد القتل في مراتٍ كثيرة!.

 

وقد كان خوزيه بهذه الطباع قبل لقائه بكارمن، فلقد تشاجر معزميل له في لعبة “التنس”، انتهى بقتل خوزيه له، مما اضطرهللذهاب إلى إشبيلية، ثم انضم إلى الجيش، وعاد لمظهره الهادئ المستقيم، ثم عُيِّن ضمن حراسة مصنع التبغ، حيث التقى بكارمن هناك.

 

ولكن خوزيه لم يرى في نفسه سوى رجلٍ طموحٍ، مجتهدٍ متدينٍ، وأنَّ لقاءه بكارمن قد أفسد عليه كل شيء!، وبالرغم من ملاحقته هو لها، واختياره الحُر لعيش الحياة المتمرِّدة معها، إلا أنَّه حمَّلَهَا هي مسؤولية ضياع كل شيء، رأى نفسه ضحية، ورأى كارمن هي الوحش الذي افترس حياته ومستقبله الآمن!.

 

لم تكن تلك الغجرية الحُرَّة قادرة على مسايرة هذا الجنون برغم حبها له، لذلك عندما تأكد من انتهاء حبه في قلبها، وسُكنى شخص آخر فيه، طَارَد كارمن بإصرار، وما بين التوسلات الراكعة وتهديدات القتل، حاوَل استرجاعها وإجبارها على استكمال حياتها معه، لكنَّهحين أدرَكَ أنَّه لا يمكن أن تكون له أبداً، أنذرها أنَّه إن لم يستطع الحصول عليها فلن تكون لغيره، بل لن تكون على الأطلاق، لكنَّها لم تخشَ التهديدات، ليقول خوزيه: “وآثار هذا الإصرار غضبي، فلم أعدّ أملك مشاعري، أو أستطع كبح جماحي، فاستللت خنجري وأشهرته في وجهها وتمنيت أن يخيفها المنظر، فتسألني الرحمة وتُصبح متوسلة، ولكنَّها بقيت كالصخرة لا تتزحزح عن موقفها! ….فطعنتها مرتين”، قتَلَها ثم أخذ جثتها إلى الكاهن ليصلي من أجل رحمتها، فقد كان يرى في نفسه متديناً مع وقف التنفيذ بسببها، ثم سلَّم نفسه للشرطة، معترفاً في النهاية بعدم ندمه على ارتكابه فعله هذا، وكذلك ببقاء ولَّعُه بها!.

 

لم تكن كارمن ملاكاً، لكنَّها كانت إنسانة مختلفة عنه، طاردها، أحبَته لفترة ما، ثم رفضت البقاء معه، عندئذٍ كان الخنجر هو الرد!.

 

إنَّ كل ما سبق ذِكره، هو تلخيص لقصة دوِّنَت على أنها حدثت في أسبانيا، قام بكتابتها فرنسيّ، وتاريخها يعود إلى القرن التاسع عشر!.

 

ولكنَّ هذا لا يمنع من تكراره بتشابهات جليَّة في مجتمعنا، ولمَ لا؟!، فقاتل “نيرة” وخوزيه، قاتل كارمن، كلاهما مصاب بالتخبُّط النفسي، ما بين المظهر الهادئ الملتزم، والانفعالات المزاجية العنيفة والعدائية، والحب الجنوني المُتسِم بالمطاردة والتهديدات والقتل.

 

إنَّني لا أُشبِّه “نيرة” هنا بكارمن في أسلوب حياتها، بل في سيناريو وطريقة موتها، وفي تلك الظروف العاطفية المريبة لحب من طرف واحد، التي خلَقَت حولها طاقة مُخيفة من حب الامتلاك،والرغبة في الانتقام، والغيرة القاتلة!.

 

لا بل أنَّي لا أُشبه كارمن بـ”نيرة” وحدها!، ولا خوزيه بقاتل نيرة وحدة!.

 

فإني أتحدث عن كل سيناريو حب بين رجل وامرأة، ينتهي بهذه الطريقة المرعبة للمرأة التي تقول “لا”، سواء كان حباً من الطرفين،أو حباً من طرف واحد!.

إنَّه تشبيه بـ”نيرة”، وكل أنثى وقعت فريسة لانفعالات عاطفية تَمَلُّكية لرجل نرجسي سيكوباتي، يمتلك تصور أحقية الغضب العاطفي القاتل، بلا توبة أو ندم، مثلما تكرر مع إيمان في الأردن، وسلمى في الشرقية!.

 

وللعلم فالقتل النهائي ليس وحده هو بطل تلك الروايات المُفجِعة، فهناك ميتات أكثر بشاعة، فيها تحيا البطلة الموت يومياً!، فيهاخوزيه يذبح، وخوزيه آخر يشوِّه الجسد بـ”مية نار”، وخوزيهينسج صوراً وقصصاً مزيفة لتشوية شرف الضحية، في مجتمعات تهوَى القصاص لهذا الغرض، حتى يقودها للقتل بدافع الدفاع عن الشرف بيد عائلتها، أو بيد نفسِها اليائسة، بالانتحار، وغيرها من السلوكيات “الخوزيَّة” الملعونة!.

 

لكنَّني هنا لم آتِ لأُنبِّهكم لمأساة كارمن مجتمعنا وحسب، ولا “نيرة” وحسب، بل لأشير لكم على قصة كل أنثى ضحية لهذا الحب السيكوباتي الذي لا يقبَل الرفض، ويقتل على إِثر الرفض، على امتداد الأرض شرقاً وغرباً، في التاريخ وحتى يومنا الحالي.

 

فإذا بحثتم مثلاً عن نساء جميلات تعرَّضن للتشوية بإلقاء “ميةنار” على وجوههن وأجسادهن، لنفس السبب، فستجدون هذا النوع من الانتقام مكرراً في تركيا والهند وحتى في أمريكا!.

 

وهذه ليست الطريقة الانتقامية الوحيدة التي تُكرَر، بل القتل بصورهالمختلفة، وكذلك سُبُل الانتقام التدميري لحياة الأنثى صاحبة قرار الـ”لا”، حيث تبقى وسائل التَخلُّص منها وإنهائها، قيد التنوع، فكل خوزيه منهم يتفنن بالانتقام على طريقة أهواء أمراضهِالخاصة، وفي النهاية نجد أنَّه بالرغم من تنوع القصص والأماكن والثقافات، إلا أنَّ السبب الجوهري لهذا التصرف الذكوري المريض واحد، ونصوص التهديدات وأساليبها، تكاد تكون واحدة!.

 

لذا فنحن بصدَّد ظاهرة ذكورية عنيفة، عتيقة وليست جديدة، وليست محلية وحسب، بل عالمية، وحتى نكون على أتَّم استعداد لمقاومتها وضَحدِها، والحُكم بالعدل عليها، علينا أن نعي جيداً حقيقة مشهد قتل نيرة، وإلى أي نوع جريمة ينتمي، فلا التحليل السطحي يَنفَع، ولا التحايل على تفاسير معطيات الجريمة وأسبابها الحقيقية، سيحمي فتاة أخرى من هذا المصير، على يد ذكَر نرجسي سيكوباتي آخر!.

لا تُبرِّروا هذا الفعل، فتلك جريمة تقليدية عند السايكوباتيين وقديمة، فـ”نيرة” تحت التهديد، منذ أن قَتَل خوزيه كارمن، فهذا جُرمٍ ليس بجديد!.