في ذكرى الرحيل… حين لا يشيخ الحزن ولا يبهت الشوق 7 / 1 / 2007.
#بقلم_صفاء_الليثي
في ذكرى الرحيل… حين لا يشيخ الحزن ولا يبهت الشوق 7 / 1 / 2007.
في مثل هذا اليوم، لا يعود الزمن كما كان، ولا تمرّ الساعات عابرةً كما تفعل في بقية الأيام.
السابع من يناير عام ألفين وسبعة لم يكن يومًا عاديًا في تقويم العمر، بل كان لحظة فاصلة، انكسر فيها شيءٌ في القلب، وتغيّر بعدها كل شيء.
في هذا اليوم غابت أمي…
وغابت معها الطمأنينة، وبقيت الذكرى.
منذ 7 / 1 / 2007، وأنا أتعلم كيف أعيش بنصف قلب،
كيف أبتسم وفي داخلي فراغ لا يملؤه شيء،
وكيف أبدو قوية بينما روحي تنادي: أمي… ولا يُجاب.
أمي…
يا الاسم الذي إذا ذُكر ارتجف القلب، وإذا غاب ضاق الصدر.
يا أول الأمان وآخره، يا الدعاء الذي كان يسبق خوفي،
يا اليد التي كانت تمسح عني تعب الأيام دون أن تتكلم.
رحلتِ في ذلك اليوم، لكنكِ لم تغيبي،
فأنتِ ما زلتِ تسكنين تفاصيل حياتي الصغيرة،
في الدعاء، في الصمت، في دمعةٍ تسقط فجأة بلا موعد.
مرّت السنوات منذ ذلك التاريخ،
وتغيّرت الوجوه، وتعاقبت الأيام،
وتعوّد الناس من حولي على فكرة غيابكِ،
أما أنا… فما تعوّدت.
لم أتعلم كيف يمر يوم دون أن أبحث عنكِ في زواياه،
ولا كيف يأتي المساء دون أن أشتاق لصوتكِ،
ولا كيف أواجه وجعي دون أن أمد يدي فلا أجد يدكِ.
يقولون إن الزمن كفيل بالنسيان،
وكذبوا.
فالزمن لا ينسينا من نحب،
بل يعلّمنا كيف نشتاق بصمت،
كيف نخبئ الدموع خلف ابتسامة متعبة،
وكيف نحمل الفقد كجزءٍ من أرواحنا لا يفارقنا.
أمي،
كبرتُ بعدكِ فجأة،
كبرتُ لأن الحياة لم تمنحني فرصة التدرّج،
كبرتُ لأن غيابكِ كان درسًا قاسيًا في الاعتماد على النفس،
درسًا لم أطلبه،
لكني تعلّمته رغم الألم.
كل شيء بعدكِ تغيّر.
البيت ما زال بيتًا، لكنه بلا روح.
الأعياد تمرّ، لكنها ناقصة.
الفرح يأتي، لكنه حذر،
والحزن حين يحلّ لا يجد من يحتويه كما كنتِ تفعلين.
أشتاقكِ شوقًا لا يشبه البكاء العابر،
بل شوقًا يشبه الصلاة الطويلة،
يشبه مناجاة آخر الليل،
حين لا يسمعني أحد سوى الله،
فأرفع يدي وأقول:
يا رب، اشتقت لأمي.
وأقسم بالله يا أمي،
ما صبّرني على فراقكِ منذ 7 / 1 / 2007،
وما هدّأ هذا القلب المكسور،
إلا يقيني أنكِ عند الله،
وأن الله أرحم بكِ من الدنيا كلها،
وأنكِ الآن في مكانٍ لا وجع فيه،
ولا تعب،
ولا خوف.
أصبر لأنني أعلم أنكِ في ضيافة الرحمن،
تحت ظلٍّ لا يزول،
وفي نعيمٍ لا ينقطع.
أصبر لأن الله لا يخذل قلبًا أحبّ بصدق،
ولا يضيّع دمعة خرجت من عينٍ موجوعة.
يا رب،
إن كانت أمي قد تعبت في الدنيا، فأرحها في الآخرة،
وإن كانت قد بكت هنا، فأضحكها هناك،
وإن كانت قد حملت همّنا يومًا، فاحمل عنها كل همّ،
واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة،
ونقِّها من الذنوب كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس.
أمي…
أفتقدكِ في لحظات ضعفي،
حين أحتاج أن أكون ابنة فقط،
لا قوية،
لا صلبة،
لا متماسكة.
أفتقدكِ حين تخونني الكلمات،
وحين يصبح الصمت أثقل من قدرتي على احتماله.
رحلتِ، لكنكِ تركتِ في داخلي أثرًا لا يُمحى،
تركتِ دعاءكِ يحرسني،
ونصيحتكِ ترافقني،
وذكراكِ تواسيني حين تشتد الأيام.
في ذكراكِ، في هذا اليوم تحديدًا،
السابع من يناير،
لا أرتدي السواد فقط،
بل أرتدي الحنين،
وأتوشّح الصبر،
وأرفع يدي إلى السماء،
وأقول:
يا رب، اجعل لقائي بأمي حقًا،
ولا تجعل هذا الفراق أبدًا.
أمي،
إن اشتقتُ دعوتُ،
وإن ضعفتُ تذكّرتُ أنكِ في مكانٍ أفضل،
وإن بكيتُ علمتُ أن الله يرى،
وأن ما عند الله خيرٌ وأبقى.
سلامٌ عليكِ في عليائكِ،
سلامٌ على روحكِ الطاهرة،
سلامٌ على قلبكِ الذي أحبّ بلا شروط،
وعطى بلا انتظار،
وصبر بلا شكوى.
إلى أمي في ذكرى وفاتها…
7 / 1 / 2007
لن أنساكِ،
ولن يمر هذا اليوم كأي يوم،
ستبقين دعائي الأجمل،
ووجعي الأصدق،
وأملي الأكبر في لقاءٍ لا فراق بعده.
رحمكِ الله يا أمي،
وجمعني بكِ في أعلى الجنان،
حيث لا وداع،
ولا دموع،
ولا ألم…
بل لقاءٌ أبدي،
وقلبٌ يعود طفلًا بين يديكِ من جديد.