تأملات في المنهج المتداول لصياغة أسباب الطعن 

تأملات في المنهج المتداول لصياغة أسباب الطعن 

بقلم الدكتور / احمد سعد العازمي

دولة الكويت

تأملات في المنهج المتداول لصياغة أسباب الطعن 

جرى العمل في كثير من صيغ أسباب الطعن على منهج يبدأ بإيراد نصوص القانون، ثم استعراض المبادئ القضائية المستقرة في محكمة التمييز، ثم يُرجأ بيان الواقعة محل النعي ووجه اتصال تلك النصوص بها إلى خاتمة السبب أو أواخره.

 

ومع أن هذا المنهج يقصد ـ في ظاهره ـ إظهار التأصيل القانوني وإسناد الطعن إلى قواعد مستقرة، إلا أن التطبيق العملي يكشف أنه لا يكون – في كثير من الأحوال – الأجدى من حيث ترتيب الفكرة، ولا الأقوى من حيث الإقناع القضائي، إذ يتلقى القارئ قواعد مجردة قبل أن يتبين الواقعة التي استدعتها، فينشأ انفصالٌ بين المقدمة والنتيجة، وبين النص والنزاع.

 

ذلك أن سبب الطعن ليس عرضاً نظرياً للنصوص، ولا تجميعاً للمبادئ، وإنما هو بيانٌ منظم لخطأ محدد يُنعى به على الحكم المطعون فيه، بما يقتضي أن يظهر موضع الخلل منذ البداية، ثم يُساق القانون والمبدأ القضائي تأييداً له لا تمهيداً منفصلاً عنه.

 

ومن ثم، فإن إعادة النظر في المنهج الشائع لصياغة أسباب الطعن تظل مسألة غاية في الأهمية لاتصالها بجوهر العمل القضائي، لأن حسن عرض السبب لا يقل أهمية عن سلامة مضمونه، بل قد يكون طريق ظهوره وإدراكه.

 

ولأجل بيان ذلك على نحو أوضح، يحسن تناول المسألة من خلال المحاور الآتية:

 

طبيعة سبب الطعن وغاياته، وأثر الترتيب الشائع في تلقي القاضي للسبب، والمنهج الأقوم في بناء أسباب الطعن، ثم التطبيقات العملية التي تؤكد أن الواقعة المنتجة تظل المدخل الأول لكل سبب محكم الصياغة، وأخيراً رأينا في المسألة.

 

أولاً: طبيعة سبب الطعن ليست بحثاً نظرياً بل كشفٌ لخطأ قضائي:

 

سبب الطعن ليس مقالة فقهية، ولا دراسة مجردة في القانون، وإنما هو إبانة خطأ محدد وقع فيه الحكم المطعون فيه.

 

ومن ثم، فإن السؤال الأول الذي يثور في ذهن القاضي عند قراءة السبب ليس: ما النص القانوني؟ ولا ما المبدأ القضائي؟ وإنما:

 

ما الخطأ الذي وقع فيه الحكم المطعون فيه؟

 

فإذا أُخِّر بيان الواقعة المنتجة، وطال الطريق قبل الوصول إليها، تعذر على القارئ منذ البداية إدراك وجه الصلة بين النصوص المسوقة وبين النزاع المعروض.

 

ثانياً: البدء بالنصوص والمبادئ قبل الواقع يُنشئ قراءة في فراغ:

 

حين يبدأ السبب بسرد مواد القانون، ثم باقتباس أحكام محكمة التمييز، دون بيان الواقعة محل النعي، فإن القارئ يتلقى قواعد عامة مجردة قبل أن يعلم موضع تطبيقها.

 

وهذا قد يؤدي عملياً إلى أحد أمرين:

 

1. ضعف التركيز

 

حيث يقرأ القاضي نصوصاً لا يعرف بعدُ علاقتها المباشرة بالنزاع، فيكون من نتائج تقديم النصوص والمبادئ المجردة على الواقعة المنتجة، تراجع تركيز القاضي أثناء القراءة، إذ يتلقى أحكاماً قانونية وقواعد عامة قبل أن تتحدد أمامه صلتها المباشرة بالنزاع المعروض ووجه الحاجة إليها في هذا السبب بعينه، لا سيما وأن الكثير من نصوص القانون تنطوي على الكثير من القواعد القانونية، فلا يعلم القاضي أي تلك القواعد المراد استحضارها، لجهله بالواقع المتصلة به، والذي لم يطرح بعد.

 

وذات الأمر يصدق على أحكام محكمة التمييز، إذ ينطوي الحكم المستشهد به في الغالب على عدد من المبادئ القضائية، فأيها المراد الاستدلال به؟ وكل ذلك يضع القارئ في متاهة تدفعه دفعاً نحو السعي إلى تجاوز هذه النصوص، لا سيما عند اغراق سبب الطعن بها، مولياً وجهه شطر البحث عن الواقع الذي استدعاها.

 

فذهن القارئ القضائي بطبيعته لا يتعامل مع النصوص بوصفها معلومات مستقلة، وإنما يبحث عن موضع اتصالها بوقائع الدعوى والحكم المطعون فيه، فإذا غاب هذا الاتصال في مستهل السبب، أصبحت القراءة مؤجلة الأثر، وتحوّل الجهد الذهني من فهم الحجة إلى انتظار العنصر الذي يفسر سبب إيرادها.

 

ومن ثم، فإن تأخير بيان الواقع لا يؤخر الفهم فحسب، بل يشتت الانتباه أيضاً، لأن النص إذا سبق محل تطبيقه فقد جزءاً من قدرته على شد ذهن القارئ واستبقاء تركيزه.

 

2. فتور الأثر الإقناعي

 

لأن القانون وكذا المبدأ القضائي يكتسبان قوتهما وأثرهما في الإقناع، حين يردان متصلين بواقعة قائمة، لا حين يردان منفصلين عنها.

 

فالقانون إذا سبق الواقعة كثيراً، بدا كأنه محفوظات سابقة التجهيز، لا أدوات تحليل مخصوصة لهذا الطعن.

 

ومن آثار البدء بسرد القواعد القانونية والمبادئ القضائية قبل بيان الواقعة المنتجة، أن القاضي قد يتجاوز تلك النصوص والمبادئ في قراءته الأولى، لا استخفافاً بها، وإنما لأنها وردت مجردة سابقة على محل إسقاطها، فينصرف ذهنه بطبيعته إلى البحث عن الواقعة التي سيُبنى عليها هذا الاستدلال.

 

ذلك أن القاعدة القانونية تزداد حضوراً وتأثيراً متى سيقت متصلة بواقعة محددة، أما إذا وردت قبل بيان موضع تطبيقها، فقد تبدو في نظر القارئ تقريراً نظرياً مؤجلاً فهم جدواه إلى حين ظهور الواقع لاحقاً، ومن ثم يضعف أثرها الإقناعي، لا لقصور في مضمونها، بل لطريقة ترتيبها وعرضها.

 

فالقاضي لا يبحث ابتداءً عما نعلمه من نصوص قانونية ومبادئ قضائية، بل عما أخطأ فيه الحكم، فإذا ظهرت الواقعة أولاً، جاء القانون جواباً مقنعاً ومنطقياً، أما إذا سبق القانون الواقعة، فقد يُقرأ بوصفه تمهيداً مؤجلاً ضعيف الأثر لا حجةً ناجزة.

 

ثالثاً: الواقع المنتج هو المفتاح الطبيعي لفهم السبب:

 

الأجدى في منهج الصياغة أن يبدأ السبب ببيان الواقعة المنتجة وحدها، أي الواقعة التي عليها مدار النعي، لا بسرد تاريخ الدعوى كاملاً.

 

فإذا كان النعي متعلقاً بالتقادم، يبدأ السبب بتاريخ الواقعة المجرية لميعاد التقادم وتاريخ رفع الدعوى.

وإذا كان متعلقاً بالإخلال بحق الدفاع، يبدأ بما طلبه الخصم وما أغفله الحكم.

وإذا كان متعلقاً بالفساد في الاستدلال، يبدأ بالمستند الذي استمد منه الاستدلال الفاسد، وموضع الفساد فيه، وإذا كان متعلقاً بمخالفة الثابت بالأوراق، يبدأ ببيان تلك الأوراق ووجه المخالفة وموضعها من الأوراق وطبيعتها من حيث كونها سلباً، أي تجاهل ما هو ثابت في الأوراق، أو إيجاباً بأن جاء الحكم بما لم يرد في الأوراق.

 

وعندئذٍ يصبح النص القانوني لاحقاً مفسِّراً للخلل، ويأتي مبدأ محكمة التمييز مؤكداً له.

 

رابعاً: الترتيب الأقرب لمنهج الإقناع القضائي:

 

الترتيب الأكثر إحكاماً في غالب أسباب الطعن هو:

 

1. الواقعة المنتجة

 

ما الذي حدث؟ وما موضع الخطأ؟

 

2. النصوص القانونية واجبة التطبيق

 

ما القاعدة التي تحكم هذه الواقعة؟

 

3. المبادئ القضائية المستقرة

 

كيف فسرت محكمة التمييز تلك القاعدة؟

 

4. وجه مخالفة الحكم المطعون فيه

 

كيف خالف الحكم النص أو المبدأ أو الثابت بالأوراق؟

 

هذا التدرج ينتقل بالقارئ من الواقع إلى القاعدة، ثم من القاعدة إلى النتيجة، وهو أقرب إلى طبيعة التفكير القضائي، إذ يسير بالقاضي في مسار منطقي متدرج وهو يشق طريقه إلى فهم وجه النعي، فيبدأ بتصور الواقعة المنتجة، ثم يتبين الحكم القانوني الواجب التطبيق عليها، ثم يقف على موضع مجاوزة الحكم المطعون فيه لذلك الحكم، حيث تتبلور الفكرة في ذهنه، وتتكون النتيجة لديه على نحو طبيعي متماسك لا على سبيل القفز أو الاستنتاج المبتسر.

 

خامساً: الرأي الراجح فيما نرى:

 

الرأي الراجح فيما نرى أن الأصل في صياغة أسباب الطعن أن يبدأ السبب ببيان الواقعة المنتجة التي يقوم عليها النعي، ثم تُساق النصوص القانونية واجبة التطبيق، ثم المبادئ القضائية المستقرة، ثم الاستعانة بآراء الفقه المعتبرة متى عز المطلوب في مبادئ القضاء، أو حيث لا يسعف فيها المنشور من الأحكام، وصولاً إلى بيان وجه مخالفة الحكم المطعون فيه، إذ هذا الترتيب أوفى بتحقيق الغاية من السبب، وأهدى إلى إظهار موضع الخطأ، وأقرب إلى المسار الطبيعي الذي يتكون به الاقتناع القضائي.

 

ويظهر من ذلك أن اعتماد البدء بالنصوص ثم المبادئ ثم تأخير الواقعة، وإن بدا منضبطاً من جهة التأصيل النظري، غير أنه ما من شك في أنه يُضعف في كثير من الأحوال قوة السبب من جهة العرض، ويؤخر انكشاف موضع النعي، فيبلغ القاضي لب النزاع بعد مراحل كان يمكن اختصارها بحسن ترتيب عناصر السبب.

 

ومن ثم، فالأوفق في منهج الصياغة أن يُجعل الأصل في أسباب الطعن هو: تقديم الواقعة المنتجة، ثم إيراد النصوص القانونية ثم المبادئ القضائية، ثم بيان وجه المخالفة، إذ تعمل النصوص والمبادئ عندئذ عمل المشكاة التي تسلط الضوء على موضع العيب، فيغدو جلياً أمام القاضي، ويتهيأ له إنزال حكم القانون عليه، على أن يظل هذا الترتيب منهجاً هادياً لا قيداً شكلياً، إذ العبرة في نهاية الأمر بما يكشف الخطأ في أوضح صورة، ويهدي القاضي إلى وجه النعي في أقصر طريق.

 

وخلاصة القول، أن قيمة سبب الطعن لا تستمد وزنها من وفرة النصوص المسوقة، ولا من كثرة المبادئ المقتبسة، وإنما من حسن ترتيب عناصره على نحو يكشف موضع الخطأ، ويقود الذهن القضائي إليه في تدرج طبيعي محكم، فكم من سببٍ حشد من القواعد ما يجاوز حاجته، ثم حجب موطن العيب في زحام الاستشهاد، وكم من سببٍ موجز أحسن ترتيب بنائه فأبان وجه النعي في غير عناء.

 

ذلك أن الواقعة هي المنطلق الذي تتحدد به الحاجة إلى النص، والنص هو الأداة التي يُوزن بها الحكم، والمبدأ القضائي هو ما يرسخ هذا الفهم ويؤيده، فإذا ما انتظمت هذه العناصر في مواضعها انكشف وجه المخالفة، واستقام سبيل الإقناع، أما إذا قُدِّم ما حقه التأخير، وأُخِّر ما حقه التقديم، اضطرب تسلسل الفكرة، ولو صح مضمونها.

 

ومن ثم، فإن البدء بالواقع المنتج ليس مجرد خيار في بناء السبب، بل هو احترام لطبيعة التفكير القضائي ذاته، لأن القاضي لا يفتش أولاً عما نعرفه من قواعد، وإنما عما أخطأ فيه الحكم، فإذا ظهر الخطأ أولاً، جاء القانون في موضعه، وأثمر الإقناع أثره.

 

الخاتمة

 

لا مراء في أن جودة سبب الطعن لا تقاس بوفرة ما يورده من نصوص، وإنما بقدرته على ترتيب عناصره ترتيباً يكشف موضع الخطأ، ويقود القاضي إليه في أقصر سبيل.

 

فالمقصود من السبب ليس استعراض المعرفة القانونية، بل توجيهها لخدمة نعي محدد على الحكم المطعون فيه.

 

ومن ثم، فإن تقديم الواقعة المنتجة ليس مسألة شكلية في صياغة الطعن، بل هو اختيار يمليه منطق القضاء ذاته، لأن القاضي يبدأ من الخطأ المراد كشفه، ثم ينظر في القاعدة التي تحكمه، لا العكس، فإذا أحسن الكاتب هذا الترتيب، اجتمع للسبب سلامة البناء وقوة الإقناع.