صفاء الليثي تكتب: غرينلاند.. الجزيرة التي فجّرت الصراع الخفي وأعادت تقسيم العالم.. جزء 1

صفاء الليثي تكتب: غرينلاند.. الجزيرة التي فجّرت الصراع الخفي وأعادت تقسيم العالم.. جزء 1

 

لم تعد الحروب في عصرنا الحديث تُدار بالصواريخ فقط، ولا تُعلن عبر البيانات الرسمية، بل تُحسم في الغالب في صمت، داخل غرف التخطيط الاستراتيجي، وعلى خرائط النفوذ الجديدة. وفي قلب هذا الصمت، برز اسم غرينلاند كأحد أخطر مفاتيح الصراع العالمي، جزيرة جليدية تحوّلت فجأة إلى مركز شدّ وجذب بين الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، في معركة لا تقل خطورة عن أي حرب تقليدية شهدها العالم.

 

غرينلاند ليست مجرد أرض نائية في أقصى الشمال، بل هي نقطة تحكم جغرافي تمسك بخيوط المستقبل. من يفرض نفوذه هناك، لا يسيطر فقط على جزيرة، بل يضع يده على طرق الملاحة القطبية الجديدة، والموارد الاستراتيجية، ومفاتيح الردع العسكري في نصف الكرة الشمالي.

 

التحول الكبير: من الشرق الأوسط إلى القطب الشمالي

 

لسنوات طويلة، كان الشرق الأوسط هو ساحة الاشتباك الرئيسية للقوى الكبرى. حروب، تدخلات، أزمات مفتوحة، وصراعات لا تنتهي. لكن المشهد تغيّر.

اليوم، هناك إدراك دولي متزايد بأن الاستنزاف في الشرق الأوسط لم يعد مجديًا، وأن الصراع الحقيقي الذي سيحسم شكل النظام العالمي الجديد يجري في أماكن أبعد، وأكثر حساسية، وأقل ازدحامًا إعلاميًا.

 

غرينلاند تمثل هذا التحول. جزيرة واحدة، لكنها قادرة على إعادة ترتيب الأولويات العسكرية والاقتصادية والسياسية للقوى الكبرى.

 

الولايات المتحدة: معركة منع الخسارة قبل تحقيق المكسب

 

الولايات المتحدة لا تنظر إلى غرينلاند باعتبارها فرصة توسع فقط، بل باعتبارها معركة “منع خسارة”.

واشنطن تدرك أن أي اختراق روسي أو نفوذ غير غربي في هذه المنطقة يعني تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وقدرتها على التحكم في المجال الجوي والبحري شمال الأطلسي.

 

لهذا السبب، عاد الحديث الأمريكي عن الجزيرة بقوة، ليس بدافع الطموح، بل بدافع الخوف من تراجع الهيمنة. فغرينلاند بالنسبة لأمريكا هي خط الدفاع الأخير قبل أن يصبح القطب الشمالي منطقة تنافس مفتوح لا يمكن السيطرة عليه.

 

روسيا: تثبيت النفوذ لا اقتحام المواجهة

 

روسيا تلعب لعبة النفس الطويل.

لا تسعى إلى السيطرة المباشرة على غرينلاند، لكنها تعمل على تطويق النفوذ الأمريكي من خلال تعزيز وجودها العسكري في القطب الشمالي، وفرض نفسها كقوة لا يمكن تجاوزها في أي معادلة مستقبلية تخص المنطقة.

 

موسكو تعلم أن الصدام المباشر مع واشنطن مكلف، لكنها في الوقت ذاته ترفض ترك الشمال للهيمنة الغربية المطلقة. لذلك، تعتمد على استراتيجية التوازن القسري، حيث لا غالب ولا مغلوب، ولكن الجميع مضطر للاعتراف بوجودها.

 

الاتحاد الأوروبي: الشريك القَلِق

 

الاتحاد الأوروبي يبدو في هذا الصراع وكأنه الطرف الذي يخشى أن يُترك خارج اللعبة.

من ناحية، لا يستطيع معارضة الولايات المتحدة علنًا.

ومن ناحية أخرى، يدرك أن تحوّل غرينلاند إلى منطقة نفوذ أمريكي خالص يعني تقليص الدور الأوروبي في الأمن العالمي، وتحويله إلى تابع استراتيجي لا شريك حقيقي.

 

هذا القلق يفسر التحركات الأوروبية الهادئة، ومحاولات الإمساك بخيط في الملف دون الدخول في مواجهة مباشرة قد لا يملك أدواتها.

 

إيران والشرق الأوسط: تهدئة محسوبة لا سلام حقيقي

 

في ظل هذا الصراع العالمي الجديد، تبدو التهدئة النسبية في ملف إيران والشرق الأوسط مفهومة.

القوى الكبرى لا تبحث الآن عن انفجارات جديدة في المنطقة، بل عن تجميد الأزمات، وإدارة الصراع بأقل تكلفة ممكنة، لحين حسم ملفات أكثر حساسية على مستوى العالم.

 

الشرق الأوسط لم يخرج من الحسابات، لكنه لم يعد أولوية. أصبح ورقة ضغط مؤجلة، تُستخدم عند الحاجة، لا ساحة مواجهة دائمة كما كان في السابق.

 

نحو تقسيم جديد للعالم

 

ما يحدث حول غرينلاند ليس حدثًا منفصلًا، بل جزء من إعادة تقسيم غير معلنة للعالم.

تقسيم لا يعتمد على احتلال مباشر، بل على مناطق نفوذ صامتة، وخطوط حمراء غير مرئية، وتفاهمات ضمنية بين القوى الكبرى.

 

العالم يتجه نحو مرحلة “التوازن البارد”، حيث تُدار الصراعات بعيدًا عن العناوين الكبرى، وتُحسم المعارك قبل أن يسمع بها أحد.

 

الخلاصة

 

غرينلاند اليوم ليست جزيرة منسية، بل مرآة تعكس شكل العالم القادم.

ما يجري هناك يفسر كثيرًا من الصمت في الشرق الأوسط، وكثيرًا من التهدئة المفاجئة في ملفات كانت توشك على الانفجار.

 

الصراع لم ينتهِ…

هو فقط انتقل إلى مكان آخر، أكثر برودة، وأكثر خطورة.