النظام الذي صنعته أمريكا ليُقسّم العالم… عاد ليقسّمها من الداخل.. تفاصيل.. فيديو
تقرير صفاء الليثي
النظام الذي صنعته أمريكا ليُقسّم العالم… عاد ليقسّمها من الداخل.. تفاصيل.. فيديو
لم يكن ما يجري اليوم داخل المدن الأمريكية مجرد احتجاجات عابرة أو غضب شعبي مؤقت، بل هو ارتداد طبيعي لمنظومة عالمية صنعتها واشنطن بيديها، وزرعتها في جسد الدول الأخرى تحت مسميات براقة مثل “الديمقراطية” و“حقوق الإنسان”، بينما كانت في جوهرها نظامًا مُصمَّمًا للفوضى والانقسام والتفتيت.
ذلك النظام الذي تركته أمريكا ينخر في الدول، ويدفعها إلى الصراعات الداخلية، ويحوّل الشارع إلى ساحة صدام، عاد اليوم ليأكل من جسد صانعه، في مشهد يكاد يكون نسخة طبق الأصل مما عاشته شعوب كثيرة.
في مدينة مينيابوليس، أعلن متظاهرون مسلحون إقامة ما أسموه “منطقة حكم ذاتي”، في سابقة خطيرة داخل الولايات المتحدة، بالتزامن مع اتساع رقعة الاحتجاجات ضد إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) في ولايات عدة، وسط عجز واضح للسلطات عن فرض السيطرة الكاملة.
مشهد غير مسبوق داخل أمريكا
إعلان “حكم ذاتي” داخل مدينة أمريكية لم يكن يومًا أمرًا متخيَّلًا، لكنه اليوم واقع يفرض نفسه على الشاشات.
مجموعات مسلحة، شعارات رافضة لسلطة الدولة، ومناطق تُدار خارج الإطار الرسمي، في مشهد يعكس تآكل هيبة الدولة المركزية، ويفتح الباب أمام أسئلة وجودية حول مستقبل الاستقرار داخل الولايات المتحدة.
اللافت أن المشهد لا يختلف كثيرًا عن سيناريوهات شهدتها دول في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، حين بدأت الاحتجاجات بشعارات اجتماعية، ثم تحولت تدريجيًا إلى كيانات موازية، ومناطق خارجة عن السيطرة، وانقسامات حادة في المجتمع.
احتجاجات الهجرة… الشرارة التي أشعلت النار
الاحتجاجات الأخيرة اندلعت على خلفية سياسات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، التي تواجه اتهامات واسعة بالعنصرية والانتهاكات، ما فجّر غضبًا شعبيًا متراكمًا، خاصة داخل المجتمعات المهمشة.
لكن ما بدأ كمطالب احتجاجية، سرعان ما تطور إلى تحدٍ مباشر لسلطة الدولة، مع ظهور جماعات مسلحة، وإعلان مناطق لا تخضع للقوانين الفيدرالية، وهو تطور بالغ الخطورة في دولة تقوم بنيتها السياسية على وحدة السلطة وسيادة القانون.
أمريكا وتصدير نموذج الفوضى
لسنوات، لعبت الولايات المتحدة دور المهندس الأول لنظام عالمي قائم على تفكيك الدول من الداخل، عبر دعم حركات احتجاجية، وتغذية الانقسامات العرقية والطائفية، والتدخل تحت غطاء “نشر الديمقراطية”.
هذا النموذج جُرّب في دول كثيرة: تفكك سياسي، صراع داخلي، انهيار مؤسسات، ثم تدخل خارجي بحجة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
واليوم، يبدو أن أمريكا نفسها بدأت تسير على الطريق ذاته، ولكن دون وسيط خارجي… بل بأدوات صنعتها بنفسها.
مينيابوليس ليست استثناءً
يرى مراقبون أن ما حدث في مينيابوليس قد لا يكون سوى بداية، في ظل تصاعد الاستقطاب السياسي الحاد، والانقسام المجتمعي غير المسبوق بين التيارات الأمريكية، وتراجع الثقة في المؤسسات.
ومع انتشار السلاح بين المدنيين، وتزايد الغضب الشعبي، تصبح أي شرارة كافية لتحويل الاحتجاج إلى صدام، والصدام إلى واقع منفصل عن الدولة.
انهيار صورة “الدولة النموذج”
الولايات المتحدة، التي لطالما قدمت نفسها كنموذج للاستقرار والديمقراطية، تجد نفسها اليوم في مواجهة صورة معاكسة:
شوارع محتقنة، مناطق خارجة عن السيطرة، انقسامات عرقية وسياسية، وسلطة تواجه صعوبة في فرض القانون دون انفجار أكبر.
وهنا تبرز المفارقة القاسية:
الدولة التي حذّرت غيرها من “الدولة الفاشلة”، بدأت تظهر عليها أعراض الفشل ذاته.
حين يعود السحر على الساحر
ما يجري داخل أمريكا اليوم لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من هندسة الفوضى عالميًا.
فالنظام الذي شجّع الشعوب على كسر الدولة، وإضعاف المؤسسات، وخلق كيانات موازية، عاد ليُختبر داخل البيت الأبيض نفسه.
وقد تكون مينيابوليس مجرد إنذار مبكر، أو أول تشقّق حقيقي في جدار الدولة الأمريكية، في عالم لم تعد فيه السيطرة مضمونة، ولا الفوضى قابلة للتصدير دون ثمن.
وفي النهاية..أمريكا التي صنعت نظامًا عالميًا قائمًا على الانقسام، وجدت نفسها اليوم في مواجهة السؤال ذاته الذي طرحته على غيرها:
كيف تُحافظ الدولة على وحدتها حين تتآكل من الداخل؟
والإجابة هذه المرة، لن تأتي من الخارج… بل من شوارعها.