#قصة_حقيقية عن وفاة شابه لم تتجاوز الثلاثين من عمرها بالسرطان من إحدى قرى طهطا تاركه ورائها طفلان

#قصة_حقيقية عن وفاة شابه لم تتجاوز الثلاثين من عمرها بالسرطان من إحدى قرى طهطا تاركه ورائها طفلان

عبدالحى عطوان يكتب : لقد رحلت أبنة عمرى

جاء صوتها عبر الأثير خافتاً مختنقاً مغلفاً بنبرات الحزن تسبقه الدموع، قالت وهى تتعلثم مهزوزة لا تكاد أن تنطق الحروف، أرجوك أكتب عن الأمل، ثم أختفى صوتها قليلاً قبل أن استوعب كلماتها، فأعتقدت أنها أغلقت الخط، لكن إذ بتنهيدة تخترق جدران الصمت، وبرغم الآمها استجمعت قواها وقالت أبنة عمرى تحتاج الى كلمات عن الأمل، فهى لم تتجاوز الثلاثين عاماً ،أول فرحتى، زوجتها صغيرة هى الآن أم لثلاثة من الأبناء مريضة بالسرطان، وتخضع يومياً لجلسات العلاج الكيماوى، أنهارت قواها ودمرت نفسيتها، تفكر فى الموت كثيراً، ونحن قد خارت عزيمتنا، وأصابنا اليأس وحطم قلوبنا مرضها، فلا تتخيل مشاعرنا ونحن نشاهد عذابها بعد الجلسات، هى تتابع مقالاتك جيداً وكثيراً ما نحكى سوياً عما تكتبه، برجاء أن تكتب أزرع فى نفوس المرضى الأمل، فالفيرس ينهش أجسادهم بلا رحمة، ولم يتبقي لهم سوى الدعاء لعل الله يستجيب بالشفاء، وأنهالت فى البكاء وأغلقت الهاتف دون كلمة وداع ،

 

وقعت كلماتها على وكأنها شهباً أو نيزك سقط فوق رأسي، فأفقد عيناى الرؤيه، جلست أحادث نفسي، ألتفت يميناً ويساراً أفتش فى ذاكرتى عما أكتب ؟ هل عن تاريخ المرض وجذوره ؟ آم عن المبيدات المسرطنه والحبوب المسرطنه التى دمرتنا! آم عن مسئولين زرعت المرض دون رحمة فى أدمغة وقلوب البشر؟ لتمتلأ جيوبهم وكروشهم بالأموال دون شفقه بشعب عاجز ، آم عن طرقات المستشفيات التى تمتلئ بالضحايا يومياً يتساقط منهم من يتساقط، آم أكتب عن مدى المعاناة النفسية التى تعيشها أهالى المرضى وتلك الأم المكلومه وهم يشاهدون ضحاياهم تنازع سكرات الموت أمام أعينهم ،آم عن دواء لم يخترع بعد ليعطى الأمل لنفوس المرضى ، أى كلمات أو كتابات تضئ الامل فى نفوس تدرك أن عمرها بات معدوداً بالساعات ،

 

ظل صوتها يطاردنى فقد كانت ليلة قاسية شعرت فيها بوهج الصيف، وصقيع الشتاء، حاولت أن أتحرر من قيودى، من صراع نفسي، لإسطر بعض العبارات أو حتى بضعة حروف لتكن البدايه ، وإذ بذلك الصراع الداخلى يلقى بي ألم دفين ورحلة معاناة اقسى من الإحتمال حاولت اتلاشها طوال عشرة أعوام مضت، تذكرت الآمه أنينه آهاته ،وجعه، أصفرار عينيه، وشحوب وجهة، تذكرت حينما كنت أجوب معه طرقات معهد الأورام صباحاً ومساءاً مبيتى مرافقاً له على كرسي طوال الليل، وعيناى تراقبه تراقب أنفاسه، تذكرت كل شئ بالمكان ،جدرانه وحوائطه وملصقاته وعناوين أبوابه وأجهزته ومعامله وكأنه الأمس القريب، حتى حديثه يوم رحيله وجحوظ عينيه وهو يضغط على يدى ويحاول إخراج الكلمات حاولت أن أنتفض من تلك الذكريات الموجعه،ولكن الشجون لم تنتهى بعد تذكرت تلك الشقيقه الكبرى التى كنا نناديها بالأم الحنون دفء كلماتها حينما كانت تلقانا ،ضحكاتها ،طعامها التى كانت تعده خصيصاً عند قدومى ،رحيلها بنفس الداء بعده بعامان فقط ،وكأنها ترفض الحياة بدونه، فقد فجرت كلماتها برأسي عن جروح والآم حاولت نسيانها لتستمر الحياة ،

ظلت الذكريات تطاردنى ،الحديث داخل رأسي لا ينقطع ، أنواع الأدويه، ملامح الأطباء، عناوين المستشفيات والعيادات ، وقبل أن أفيق أو يوقظنى أحد من حلمى أو حتى يزعجنى ضجيج المكان، جاء صوتها عبر الهاتف، مسبوقاً بعويلها وصراخها، وهى ترتجف بل تنازع لتتحدث، لقد ماتت حبيبه لقد رحلت أبنة عمرى، من اليوم سأمزق أوراقى، وأهجر الفرح، وأعانق الأحزان، سيغادرنى الربيع فلم يعد بين الفصول له مكان، فقد غزا الشيب مفرقى، فبدونك حبيبتى تجف البحار، تسقط السماء شهباً تحرق الوديان، سنوات عمرى عشت أرويكى، أتوسل إليك إلا تطرحى الفراق، من اليوم حجرات قلبى تسكنها النيران، والخوف، وذكرى تحرق الوجدان ، سوف أظل كثيراً أفتش عنك بين البشر، أرتمى فى ليل طويل رعد وبرق ونحيب لا ينقطع ، أشعر بعطرك فى كل أرجاء المكان، لماذا رحلتى قبل الآوان، لماذا تركتينى وحيدة فأنت الصديقه والحبيبه والأبنه وعنوان كل الأشياء، سامحينى إذ قصرت يوماً معك، فلم أعرف أنك ستغادرين سريعاً قبل أن نشيخ معاً، أن تشبع عيوننا من كل الأماكن

 

حاولت أن أقاطعها، أهدئ من روعها، أبث كلمات عن الصبر فى روحها الثائرة ، أقول أى شئ فلم أستطع فكلماتها وصراخها أطبقت على خلجات صدرى ، أنها ارادة الله التى فوق ارادة البشر .

#بعتذر_لطرحى تلك الشجون

#مقالات

#عبدالحى_عطوان