بروفايل | فيلسوف الشرق يغادر الحياة #مرادوهبه.. نموذج العقلانية والتنوير

بروفايل | فيلسوف الشرق يغادر الحياة

#مرادوهبه.. نموذج العقلانية والتنوير

 

رحل عن عالمنا المفكر والفيلسوف المصري الدكتور مراد وهبه، أحد أبرز أعلام الفلسفة المعاصرة في العالم العربي، وصوتًا نادرًا ظل وفيًّا للعقل، ومخلصًا لفكرة التنوير حتى آخر أيامه. برحيله، تطوى صفحة من صفحات الفكر النقدي الجريء، الذي لم يعرف المهادنة، ولم يقبل أنصاف المواقف.

 

وُلد مراد وهبه عام 1937، وتكوّن وعيه الفلسفي في زمن عربي مضطرب، فاختار منذ بداياته أن يقف في صف العقل ضد النقل الجامد، وفي صف السؤال ضد اليقين الزائف. حصل على الدكتوراه في الفلسفة، وتخصص في الفلسفة الحديثة والمعاصرة، وارتبط اسمه على مدار عقود بمشروع فكري واضح المعالم: الدفاع عن العقلانية، ونقد الفكر الأصولي، وترسيخ قيم الدولة المدنية.

 

لم يكن مراد وهبه فيلسوفًا أكاديميًا منغلقًا على قاعات الدرس، بل مثقفًا عضويًا بالمعنى الغرامشي، حاضرًا في المجال العام، يكتب، ويحاضر، ويجادل، ويصطدم حين يلزم الاصطدام. آمن بأن الفلسفة ليست ترفًا ذهنيًا، بل أداة تحرر، وأن مهمة الفيلسوف هي تفكيك المسلمات التي تكبل الوعي الجمعي.

 

خاض معاركه الفكرية بشجاعة لافتة، خصوصًا في نقده الحاد لخطاب الإسلام السياسي، وتحذيره المبكر من خطورته على بنية الدولة والمجتمع. لم يساوم، ولم يخف من سيل الاتهامات التي لاحقته، من تكفير وتشويه، وظل يؤكد أن العقل لا يُحاكم، بل يُحاكم به.

 

أسهم في تأسيس وتطوير عدد من المشاريع الثقافية والفكرية، وكان من الداعمين بقوة لحركة التنوير في مصر والعالم العربي. من أبرز كتبه: «الطائفية»، «من السلفية إلى داعش»، و*«حوار العقل والإيمان»*، وغيرها من الأعمال التي شكلت علامات بارزة في مسار الفكر العربي المعاصر.

 

تميّز أسلوبه بالوضوح الصارم، واللغة المباشرة، والقدرة على تبسيط القضايا الفلسفية المعقدة دون تسطيحها. وكان يرى أن أزمة العالم العربي ليست في نقص الموارد، بل في أزمة العقل، وأن الخروج من المأزق التاريخي لا يكون إلا بإعادة الاعتبار للتفكير النقدي.

 

برحيل مراد وهبه، يفقد الفكر العربي أحد حرّاسه الشجعان، وأحد الأصوات القليلة التي لم تهادن الظلام، ولم تتراجع عن إيمانها بأن التنوير ليس خيارًا، بل ضرورة وجودية.

يغادر الجسد، ويبقى الأثر، ويبقى السؤال الذي عاش من أجله: متى يتحرر العقل العربي؟

 

رحم الله الفيلسوف الذي اختار أن يكون مع العقل… حتى النهاية.