التنمية الاقتصادية… بين ارقام النمو وجوده الحياة
بقلم : الدكتور كريم عاطف القفاش
التنمية الاقتصادية… بين ارقام النمو وجوده الحياة
لم تعد التنمية الاقتصادية تقاس فقط بمعدلات النمو أو حجم الاستثمارات، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس، والحفاظ على الموارد، وضمان استقرار المجتمع. ومن هنا يبرز البعد البيئي والاجتماعي كجوهر حقيقي لرؤية مصر 2030، خاصة في بعدها المتعلق بجودة الحياة والتنمية المستدامة.
فالتنمية الحقيقية لا تعني أرقاما تتحسن في التقارير، وإنما تعني أن يحسب أثر كل قرار اقتصادي على الإنسان والمكان معا. أن ينمو الاقتصاد دون أن يتحول النمو نفسه إلى عبء على البيئة أو المجتمع.
التنمية الاقتصادية الواعية هي التي تخلق فرص عمل من دون تلويث القرى والمدن، وتوسع النشاط الإنتاجي من دون الضغط على الخدمات أو تهميش الفئات الأضعف. وهي التي توازن بين جذب الاستثمار وحماية الموارد الطبيعية، باعتبار أن المياه والهواء والأرض تمثل رأس مال حقيقيا لا يقل أهمية عن رأس المال المالي.
وقد بدأت ملامح هذا التوجه تظهر في التجربة المصرية، من خلال التوسع في المناطق الصناعية المخططة، واشتراط المعايير البيئية، إلى جانب الاتجاه نحو الطاقة النظيفة، التي جمعت بين النمو الاقتصادي وتقليل الأثر البيئي.
التعامل مع البيئة باعتبارها رفاهية يمكن تأجيلها هو خطأ استراتيجي. فالإضرار بالموارد الطبيعية قد يحقق مكاسب قصيرة الأجل، لكنه يراكم خسائر طويلة المدى. ولهذا أصبح ترشيد استخدام المياه، وتحسين كفاءة الطاقة، جزءا أساسيا من التفكير الاقتصادي، لا مجرد استجابة لشعارات بيئية.
اقتصاد بلا وعي بيئي هو اقتصاد يستهلك نفسه، مهما بدت أرقامه واعدة.
البعد الاجتماعي وضمان الاستقرار ، لا يمكن لأي نمو اقتصادي أن يستمر إذا لم يحقق عدالة في الفرص. فاقتصاد يكبر من دون تعليم جيد، أو خدمات صحية فعالة، أو حماية اجتماعية، يخلق توترا اجتماعيا حتى لو تحسنت المؤشرات الكلية.
ولهذا فإن الإنفاق على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية لا يعد عبئا، بل استثمارا مباشرا في استقرار الدولة واستدامة التنمية.
واخيرا التنمية الاقتصادية ليست سباق أرقام، بل عقد طويل الأجل بين الدولة والمجتمع. عقد يهدف إلى تحسين حياة الناس اليوم، من دون الإضرار بحقوق الأجيال القادمة في بيئة سليمة ونسيج اجتماعي متماسك. تلك هي التنمية التي تبني دولة… لا تستهلك نفسها.